السيد كمال الحيدري
284
أصول التفسير والتأويل
فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كلّ الدين إلى قيام الساعة هكذا ؟ أليس لو جعله ظاهراً نقيّاً عن هذه المتشابهات ، كان أقرب إلى حصول الغرض » « 1 » وأقطع لمادّة الخلاف والزيغ والانحراف . وقد أشار الرازي إلى وجوه من الجواب . الأوّل : « إنّه متى كانت المتشابهات موجودة ، كان الوصول إلى الحقّ أصعب وأشقّ ، وزيادة المشقّة توجب مزيد الثواب . قال الله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( آل عمران : 142 ) . الثاني : لو كان القرآن محكماً بالكلّية لما كان مطابقاً إلّا لمذهب واحد ، وكان تصريحه مبطلًا لكلّ ما سوى ذلك المذهب ، وذلك ممّا ينفّر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه ، فالانتفاع به إنّما حصل لما كان مشتملًا على المحكم وعلى المتشابه ، فحينئذ يطمع كلّ مذهب أن يجد فيه ما يقوّى مذهبه ويؤثّر مقالته ، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب ويجتهد في التأمّل فيه كلّ صاحب مذهب ، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسّرة للمتشابهات ، فبهذا الطريق يتخلّص المبطل عن باطله ويصل إلى الحقّ . الثالث : إنّ القرآن إذا كان مشتملًا على المحكم والمتشابه ، افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل ، وحينئذ يتخلّص عن ظلمة التقليد ويصل إلى ضياء الاستدلال والبيّنة ، أمّا لو كان كلّه محكماً لم يفتقر إلى التمسّك بالدلائل العقلية ، فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد .
--> ( 1 ) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ، مصدر سابق : ج 7 ص 148 .